الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
35
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وإذا توسعنا في معنى هذه الكلمة ومفهوم الجملة وجدناها دعوة إلى رعاية جميع الحقوق الفردية والاجتماعية ولجميع الملل والنحل ، ويظهر " بخس الحق " في كل محيط وعصر وزمان بشكل معين حتى بالمساعدة دون عوض أحيانا ، والتعاون وإعطاء قرض معين ( كما هي طريقة المستعمرين في عصرنا ) . ونجد في نهاية الآية أن شعيبا يخطو خطوة أخرى أوسع ويقول لقومه : ولا تعثوا في الأرض مفسدين . فالفساد يقع عن طريق البيع ويقع عن طريق غصب حقوق الناس والاعتداء على حقوق الآخرين ، والفساد أيضا يقع في الإخلال بالموازين والمقاييس الاجتماعية ، ويقع أيضا ببخس الناس أشياءهم وأموالهم ، وأخيرا يقع الفساد على الحيثيات بالاعتداء على حرمتها وعلى النواميس وأرواح الناس . وجملة لا تعثوا معناها " لا تفسدوا " بدلالة ذكر مفسدين بعدها لمزيد التوكيد على هذا الموضوع . إن الآيتين المتقدمتين تعكسان هذه الواقعية بجلاء ، وهي أنه بعد الاعتقاد بالتوحيد والنظر الفكري الصحيح ، ينظر إلى الاقتصاد السليم بأهمية خاصة ، كما تدلان على أن الإخلال بالنظام الاقتصادي سيكون أساسا للفساد الوسيع في المجتمع . ثم يخبرهم أن زيادة الثروة - التي تصل إلى أيديكم عن طريق الظلم واستثمار الآخرين - ليست هي السبب في غناكم ، بل ما يغنيكم هو بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين . التعبير ب بقية الله إما لأن الربح الحلال القليل المترشح عن أمر الله فهو " بقية الله " وإما لأن الحصول على الرزق الحلال باعث على دوام نعم الله وبقاء البركات . . . وإما لأنه يشير إلى الجزاء والثواب المعنوي الذي يبقى إلى الأبد . فإن الدنيا فانية وما فيها لا محاله فان ، وتشير الآية ( 46 ) من سورة الكهف : والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا إلى هذا المضمون